فخر الدين الرازي

72

تفسير الرازي

الموجودات كذلك ، فإن قيل : البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم ، يقال : فلان بصير بكذا إن كان عالماً به ، قلنا : لا نسلم ، فإنه يقال : إن الله سميع بالمسموعات ، بصير بالمبصرات . * ( أَمَّنْ هَاذَا الَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرَّحْمَانِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ ) * . اعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ، ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان تعويلهم على شيئين أحدهما : القوة التي كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم والثاني : أنهم كانوا يقولون : هذه الأوثان ، توصل إلينا جميع الخيرات ، وتدفع عنا كل الآفات وقد أبطل الله عليهم كل واحد من هذين الوجهين ، أما الأول فبقوله : * ( أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ) * وهذا نسق على قوله : * ( أم أمنتم من في السماء ) * ( الملك : 17 ) والمعنى أم من يشار إليه من المجموع ، ويقال : هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم ، ثم قال : * ( إن الكافرون إلا في غرور ) * أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم . * ( أَمَّنْ هَاذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) * . أما الثاني فهو قوله : * ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) * . والمعنى : من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم ، وهذا أيضاً مما لا ينكره ذو عقل ، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى : * ( بل لجوا في عتو ونفور ) * والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق ، في عتو أي في تمرد وتكبر ونفور ، أي تباعد عن الحق وإعراض عنه فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا وهو إشارة إلى فساد القوة العملية ، والنفور بسبب جهلهم ، وهذا إشارة إلى فساد القوة النظرية . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور ، نبه على ما يدل على قبح هذين الوصفين . فقال تعالى : * ( أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : أكب مطاوع كبه ، يقال : كببته فأكب ونظيره قشعت